بقلم: فؤاد عوض

في الطريق
دخلنا ثلاثتنا في سيارة خاصة، مساء يوم الخميس 2008/1/3 وانطلقنا في طريقنا الطويلة والموحشة المؤدية الى القدس، خاصة وأنّنا اخترنا أن نسلك طريق الغور لقلة حركة المرور واختصارا للوقت، حيث توفر علينا لا اقل من نصف ساعة من الزمن وهو زمن يؤهلنا لقليل من الراحة قبل الدخول الى مسرح الخان في القدس الغربية، لحضور مسرحية عطيل/ اوثيلو بمشاركة ممثلي مسرح الخان وإخراج ميخائيل جوريفتش احد المخرجين المتميزين في الحركة المسرحية الإسرائيلية.


في الطريق، تساءل ثلاثتنا، وجميعنا فنانين في المجال المسرحي، هشام سليمان الممثل المسرحي ، وحاليا مدير مسرح "الفرينج" في الناصرة، وزوجته رحيق سليمان التي تعمل في العلاج عن طريق الدراما، وكاتب المقال الذي توزع عمله في أكثر من مجال منها الإخراج والإدارة للمراكز الثقافية وإدارة المسارح.. جميعنا سار في هذا الطريق الصعب والموحش، والذي يشبه الى حد بعيد طريق الغور، فقد "مزحنا" ماذا لو توقفت السيارة الآن، نتيجة لعطل فيها، سخونة المحرك، او نفاذ البنزين أو أي خلل طارئ، في هذا الجو العاصف من الأمطار، ماذا يمكن ان يحدث؟! تبدّد هذا الجو من الحيرة، عندما أثرت موضوعا لطالما اشغلني واشغل الجميع وقد صغته على النحو التالي:
ها نحن نجتمع هنا، ونترك أولادنا الكبار والصغار، لدى الجدة او الأخوة او الزوجة، وفي جو ماطر وعاصف نسير في سيارة ولمسافة تتعدى مائة وخمسين كيلومترا، في سبيل مشاهدة عرضٍ مسرحيٍ في مدينة أخرى تبعد عن مدينتنا زمنيا ساعتين او أكثر.. أمعقول هذا الأمر؟! هل يعقل؟ أليس هذا الجنون بعينه؟!


اشغلنا النقاش حول هذا الأمر مسافة الطريق، ونسينا برد كانون وأمطاره، اجبنا على هذا السؤال بعدة حالات ومفاهيم، منها ما نبع عن الاهتمام، ليس أمرا شاذا وليس جنونا ما نفعله خاصة وأننا نعمل في هذا المجال، ولنا اهتمام في الثقافة والمسرح والفنون، وتطرقنا الى مفاهيم أخرى، منها ما نبع عن الحماس، ومنها ما نبع عن الفضول والمعرفة، فقد اثارتنا مسرحية شكسبير هذه، خاصة وأنها تتحدث عن شخصية درامية مركزية ومن أصول عربية (مغربية)، لرؤية كيف سيتعامل المخرج مع هذه الشخصية التي تدور في فلك مجتمع إيطالي خلال فترة الحرب ما بين الأتراك العثمانيين وبلاط مدينة البندقية الإيطالية، على السيادة العسكرية في جزيرة قبرص، وهنا كان لا بد لي من استحضار مفهوم آخر وتوجه آخر، توجه غير المهنيين في المسرح، فقد لاحظت أثناء وجودي في ورشة عمل ضمن مسرح "الرويال كورت" في لندن اهتمام الناس العاديين من مدينة لندن، للسفر الى ستراتفورد، بلد شكسبير حيث أقيم هناك مسرح "الرويال شكسبير كومباني"، وستراتفورد بلدة شكسبير تبعد مسافة كبيرة عن لندن، فما الذي يدفع أهل الضواحي وأهل لندن للسفر مسافة طويلة كتلك التي نقطعها نحن الآن، علما بان جزءا كبيرا من هذا الجمهور غير مهني مثلنا، فنتوسع في تخميناتنا:
هل قضاء الوقت وبعضه في السفر للوصول الى غايته، هو متعة بحد ذاتها؟ وهل هي الرغبة في المشاركة في هذا الحدث الاجتماعي، هذا اللقاء الاجتماعي لأفراد ذلك المجتمع؟! هل هي التربية المسرحية والفنية التي كبر عليها هذا الفرد لتتحول عنده الى عادة، (وهو ما نفتقده نحن)، وكان هذا سببا يدل على جهل جيلنا القديم والحديث، الذي لم يتعرض كثيرا للتجربة المسرحية، فكلما تعرض الفتى وخاصة خلال الطفولة للمشاهدة، ازداد اهتمامه وتعمقه للمعرفة من خلال المسرح (أبو الفنون)، والذي اخذ بالفترة الحالية (القرن الـ21 ) يفقد جزءا من بريقه.
تعيدنا الى ارض الواقع وفي طريقنا المقفر أضواء زرقاء وحمراء، مع توجيهات للمسالك، سؤال احدنا، ما هذا؟ والى أين اسلك؟! يجيب الآخر، يبدو انك لم تحضر الى هذه المنطقة في الفترة الأخيرة.

لقد نقل الاحتلال حواجزه ونظمها أكثر، فاحد هذه الحواجز يبدأ في الدخول للمنطقة الفلسطينية بعد مستوطنة جدعونة وآخر قبل الدخول الى القدس عند حي زعيّم، طابور من السيارات الخصوصية وعلى مسلكين يمنعنا من التقدم السريع وخاصة وان الوقت داهمنا، وتمنينا ان تسير الإجراءات بسرعة للوصول قبل الموعد المحدد للمسرحية، فهذه المسارح كما نعلم دقيقة وتبدأ في الوقت المحدد.
سألتنا الجندية من أين انتم قادمين؟
قلنا: من الناصرة، وأخلت الطريق لنا، وانطلقنا بسرعة، نضحك من هذه الجندية والتي كانت بسيطة وساذجة ومضحكة بعض الشيء، وقد طارت جميع الأفكار من أذهاننا، واقتصرت الآن على الزمن والوقت المتبقي لنا للوصول الى هدفنا، حتى وصلنا.

مسرح الخان... "للثقافة عمر"
أثار مبنى الخان إعجاب الزملاء، وهو مبنى قديم، تدخله من بوابة كبيرة مذببة القوس، من تحت سقيفة استخدمت مكتبا للإدارة والى جانب المدخل الأيمن شباك التذاكر والحجوزات، فتصل الى ساحة داخلية مفتوحة مع قبة السماء تناثرت فيها أعمدة وبقايا طاحون حجري مقدسي، وأشجار باسقة.
وللعلم فان هذا المبنى كان خانًا في طريق القوافل التي ترتاح خارج أسوار القدس من جهة الخليل، وقد تم استخدامه كمسرحٍ في بداية عام 68، ومنذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا، يعمل المسرح على انتاج الاعمال المسرحية، ويعتبر المسرح الوحيد في القدس الغربية الذي ينتج أعمالا مسرحية، وقد احتفل مؤخرا بمرور 40 سنة على تأسيسه، وذلك من منطلق تقييم الثقافة وربطها بالعمر وعدد سنوات التجربة تزيدهم احتراما وتقديرا.
أربعون عاما من الإنتاج المسرحي، فترة قليلة جدا مقارنة مع عمر المسارح او المؤسسات الثقافية الأوروبية التي سبقتها بأجيال، والتي يصل عمر البعض منها الى مئات السنين، ومهما يكن، فان الاستمرارية في العمل والتجارب أمر مهم في تطوير ذوق الجمهور العام.

اوثيلو وفوضى الحواس
 حبكة مسرحية عطيل/ اوثيلو معروفة وغير معقدة، تتحدث عن تعلق ديزدمونة بالضابط المغربي الشجاع والقوي، الذي يخدم بلاط البندقية، واختياره قائدا عسكريا لحملة عسكرية في قبرص، وفوزه بحب ديزدمونة الفتاة الجميلة والرقيقة التي تنتمي الى عائلة نبيلة، تثير حقد وكره حامل العلم ياغو، صديق اوثيلو. ويبدأ هذا الأخير بحبك خيوط التآمر وإثارة الفتنة ضده، حتى يقع اوثيلو في فخ الشك بزوجته المخلصة، وتبلبل حواسه حتى الفوضى فلم يعد يرى شيئًا سوى الموت، حتى يقدم على خطوة غير مرغوبة، يخنق فيها زوجته وحبيبته المخلصة ديزدمونة وصولا إلى النهاية المأساوية التي تضع حدا لحياته وبإرادته هو، وبعدها تنكشف خيوط المؤامرة من خلال خادمة ديزدمونة وزوجة ياغو التي تكشف تفاصيل المؤامرة، ولكن بعد فوات الأوان، وفي الفصل الأخير من المسرحية عندما تنكشف قمة التفاصيل، نصل الى قمة التماثل مع اوثلو وزوجته ديزدمونة، وكلاهما كانا ضحية مؤامرة ياغو الذي سعى الى الأمر منذ البداية وهو يلعب دور الصديق وحامل العلم الأمين لسيده اوثيلو، والحقيقة أنه كرهه وحقد عليه.

الرؤية الإخراجية عند جوريفتش تفضح عنصرية المجتمع الإسرائيلي
لقد كان من الممكن ان تمر المسرحية مر الكرام لولا الرؤية الإخراجية التي خص بها المخرج ميخائيل جوريفيتش لشخصية اوثيلو التي حدد ملامحها على أنها عربية، مستبدلا كلمة المغربي (حسب ترجمة جبرا إبراهيم جبرا) بكلمة العربي، واضعا إياها في جو عام عصري وحديث، ويمت بصلة غير مباشرة الى المجتمع الإسرائيلي، علما بأنه (أي المخرج) حسب رأيي، لم يذهب في هذه الرؤية حتى النهاية من خلال المركبات الفنية الأخرى ومن خلال اختياره للملابس العصرية، فيما عدا ملابس الجنود، والتي تميزت باللون الكاكي او البني الفاتح، وبأسلوب فيه إضافة أجزاء كلاسيكية لتفاصيل الملابس، دون أن يشير الى المجتمع الإسرائيلي (او الجيش الإسرائيلي) المعادي للعرب بشكل مباشر، لكنه أشار في اكثر من مرة الى وجود العربي الذي يتآمر ضده ياغو الإسرائيلي.


لقد جاءت المسرحية في جوهرها الإنساني وموقف الأكثرية من الأغلبية، الداعي الى النفور وعدم الاختلاط بالآخر، وهذا ما تميزت به المسرحية في الأصل ليضيف لها جوريفيتش بعدا مكانيا وزمنيا (وكما قلت ليس للنهاية) للحالة الإسرائيلية، وللمجتمع الإسرائيلي العنصري تجاه الأقلية العربية التي تعيش وسطهم، وقد تطلب هذا الأمر شجاعة تحلى بها المخرج، ليس هذا فحسب من أسباب نجاح المسرحية، وإنما يضاف إليها ديناميكية سريعة في الانتقال بالأحداث إضافة الى البعد التمثيلي، حيث لعب الشخصيتين الرئيسيتين ممثلان على خبرة ودراية كافية جعلت منهما ومن باقي الممثلين الآخرين فريق عمل منسجم، وقد جاءت اللغة الشعرية لترجمة نسيم الوني  جميلة جدا وتبدو بسيطة وعادية دون تكلف او تصنع، وهذا أمر مهم في لغة حوار المسرح الشعري، لأنه ان بقي شعرا كما هو، خلق بعدا كبيرا مع الجمهور.


وتحت عنوان بارز كتب الناقد الادبي اريئيل هيرشفلد في صحيفة هآرتس ما يلي: "لعب شخصية اوثيلو الممثل ارييه تشيرنر، ممثل صريح وطيب عريض المنكبين، ضخم الجثة، ومن كل انتصابة يفوح تعبير، بنى حركة التطور في خط واحد وطويل يمتد على طول المسرحية، مثل تصاعد بطيء، انفتاح وانكشاف حتى الانكشاف الكامل- حتى نقطة الضعف- هذا الخط أعطى لشخصية اوثيلو قوة وعظمة الانهيار وانكسار القلب، حيث امتاز به القليلون من الذين مثلوا شخصية اوثيلو... فيما لعب شخصية ياغو الممثل الشاب يوسي عيني، والذي جسد صورة حسية تعيش وتتحرك. كانت اللغة في فمه كلامًا حيًّا، ولهذا كانت شخصيته قوية، اسرائيليته المطلقة التي أعطاها لياغو ولغته العبرية الحية في فمه، ونظرات عينيه الوقحة ولعبة التناقض في المواقف وحيويته الفائقة، أعطته ظهورا مريبا وملوثا، يلازمك دون ان تستطيع الهروب منه"- انتهى الاقتباس.


لا شك ان الممثل هنا لعب دوره اضافة الى دور المخرج، وهذا حسب رأيي يأتي من خلال رؤية المخرج المسرحي جوريفيتش، المدير الفني لمسرح الخان الذي عمل على اغلب الاعمال المسرحية مكونا فرقة مسرحية أخذت تبرز في الساحة المسرحية وتتنافس مع المسارح الكبيرة في تل ابيب، من جهة، والذي يعمل حسب رؤية فنية مسرحية واضحة من جهة أخرى عبر عنها في اكثر من منبر ومناسبة حول ضرورة اختيارنا للأعمال الفنية الجيدة والمتميزة دون تقديم أيّة تنازلات.

وبرز موقفه بشكل واضح في مقابلة صحافية مع الصحافي شاي لاهف في ملحق معاريف حيث قال: "هناك سقوط حاد في جودة الاعمال المسرحية في البلاد وذلك بسبب الكمية الكبيرة من الاعمال المسرحية والتي تغلب عليها الركاكة والسطحية، ومنافسة المسارح لتقديم العروض في الضواحي، من يبيع للجمهور اكثر؟ من يربح اكثر؟ وطبعا هذه معادلة المسرح التجاري (لست ضد المسرح التجاري- فلديه جمهوره وأهدافه) ولكن دخول المسارح المهنية في هذه الدوامة هو خطأ... نحن نقدم فنا أكثر رقيًا، ولدي رغبة عارمة لتقديم ما هو أعمق من المسارح التجارية"، ويضيف قائلا: "اذا ما قدمنا أعمالنا المسرحية بروح فنية، وجميلة نستطيع ايضا ان نحضر الجمهور الينا"- انتهى الاقتباس. ولهذا تجده يعمل من خلال فرقة الخان، هذه المجموعة التي هي بمثابة عائلته التي يعمل معها، وهذا ايضا كما أشرت ما يميزه لأنه يعمل على مسرحياته من خلال طاقم الممثلين.


عودة على بدء... فوضى الأسئلة والأحاسيس
لم يكن مشوارنا ووقتنا هدرا، فقد أثارتنا جميعا المسرحية بحد ذاتها وجذبتنا، كما أثارت اهتمام الآخرين وعوضتنا بمتعة مسرحية حقيقية، لا زالت آثارها عالقة في أذهاننا ونفسياتنا التواقة الى ما هو جميل وممتع، وأثرها كان دافعا لي للكتابة من خلال أسئلة قديمة جديدة، إذ أثارني موضوع المسرحيات الكلاسيكية في رؤية عصرية وهو ما يجعل المسرحيات هذه تأخذ روحا جديدة، فأصبحت هذه العروض تشكل "موضة" متجددة في المسرح الإسرائيلي ومن قبله المسرح الأوروبي، وهنا أعود مرة أخرى للمقارنة والتساؤل: ماذا عنا؟ ماذا عن علاقتنا بالأدب المسرحي الكلاسيكي؟


ماذا يحدث لو أقدم مسرح عربي ما على إنتاج عمل كلاسيكي (للتذكير ان الحركة المسرحية في البلاد، ومنذ عشرات الأعوام لم تقدم أعمالا كلاسيكية بالمفهوم الكلاسيكي)، كيف سيكون رد فعل الجمهور او النقاد؟! هل يعتبر الجمهور العربي مستهلكًا جيدًا للمسرح الكلاسيكي؟ فيأتي الجواب التقليدي من أعماق الذاكرة: ربما، موضة قديمة، فنحن أبناء عصر الانترنت. 


طبعا هذه الإجابات تدل على مدى هشاشة وضعف الحركة المسرحية المحلية، التي أخذت تتقوقع في ذاتها، وعدم عمق تجربتها المسرحية وانحسارها في متطلبات الساعة، والجمهور، والمنافسة مع المحطات الفضائية دون الدخول في تفاصيل التجربة المسرحية بعيدا عن المؤثرات الخارجية والتي للأسف يستوعبها البعض بشكل خاطئ، وهذا ما يفقدنا ربما التواصل مع الأدب الكلاسيكي الجميل والخالد.


طبعا تبقى عدة أسئلة مفتوحة على مصراعيها، كما هو الحال مع البداية والنهاية، ولكن الى حين تقديم الإجابة يبقى المجتمع المسرحي المتحضر يستمتع ويمتع جمهوره بشتى أنواع الفن العصري والكلاسيكي، فيما نحن (جزء من الفنانين) لا زلنا نحاول ان نتخذ من ياغو مثلا لنا في التآمر على ذاتنا... بحيث يحسد الفنان زميله، ويعمل على إبعاده عن مركزه مستعملا شتى الطرق والأساليب ومنها ما يصل حتى حدود التآمر، حبذا لو أننا ننظر الى ذواتنا، وننظر الى تجربة الماضي وتجربة أنماط الشخصيات المسرحية لكي نتجنب الأخطاء التي ارتكبتها هي دون ان تبلبل حواسنا في تطرف مميت وقاتل لنا وللآخر- في مذكرات يوسف وهبي عميد المسرح العربي قال انه عاش ألف عام  نسبة الى عدد الشخصيات التي لعبها واكتسب خبرتها، تعبير جميل، وتأكيدا لما قال فلدينا خبرة آلاف الشخصيات التي هي بمثابة نقطة ارخميدس والتي منها نطل على هذا العالم، هذا الكم الهائل من التجربة الإنسانية في صوره المتعددة منذ بدء التاريخ وحتى يومنا هذا.